فصل: الخبرعن فتح سجلماسة الثاني ودخولها عنوة على بني عبد الواد

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن افتتاح مدينة طنجة وطاعة أهل سبتة وفرض الأتاوة عليهم

وما قارن ذلك من الأحداث كانت هاتان المدينتان سبتة وطنجة مذ أول دولة الموحدين من أعظم عمالاتهم وأكبر ممالكهم بما كانت ثغر العدوة ومرقى الأساطيل ودار إنشاءة الآلة البحرية وفرضة الجواز إلى الجهاد‏.‏فكانت ولايتها مختصة بالقرابة من السادة بني عبد المؤمن‏.‏وقد ذكرنا أن الرشيد كان عقد على أعمالها لأبي علي بن خلاس من أهل بلنسية وأنه بعد استفحال الأمير أبي زكرياء بإفريقية ومهلك الرشيد صرف الدعوة إليه سنة أربعين‏.‏وبعث إليه بالمال والبيعة مع ابنه أبي القاسم‏.‏وولى على طنجة يوسف بن محمد بن عبد الله بن أحمد الهمداني المعروف بابن الأمين قائداً على الرجل الأندلسيين وضابطاً للقصبة‏.‏وعقد الأمير أبو زكرياء على سبتة لأبي يحيى بن أبي زكرياء ابن عمه يحيى الشهيد ابن الشيخ أبي حفص فنزل بها‏.‏فاستراب أبو علي بن خلاص من العواقب عند مهلك ابنه الوافد على السلطان غريقاً في البحر فرحل بجملته إلى تونس في السفن‏.‏وأراح ببجاية فكان فيها هلاكه سنة ست وأربعين‏.‏ويقال بل هلك في سفينته ودفن ببجاية‏.‏ولما هلك الأمير أبو زكرياء في سنة سبع بعدها انتقض أهل سبتة على ابنه المستنصر وطردوا ابن الشهيد وقتلوا العمال الذين كانوا معه وصرفوا الدعوة إلى المرتضى‏.‏وتولى كبر ذلك حجبون الزنداحي بمداخلة أبي القاسم العزفي كبير المشيخة بسبتة وأعظمهم تجلة‏.‏ونشأ في حجر أبيه الفقيه الصالح أبي العباس أحمد مكفوفاً بالجلالة مغذواً بالعلم والدين بما كان له فيهما قدم إلى أن هلك‏.‏فأوجب أهل البلد لابنه ما عرفوه لحقه وحق أبيه من قبله فكانوا يفزعون إليه في المهمات‏.‏وش‏!‏ فمون له في الشورى فأغرى الزنداحي بهذه الفعلة ففعلها فعقد المرتضى لأبي القاسم العزفي على سبتة مستقلاً من غير إشراف أحد من السادة ولا من الموحدين‏.‏واكتفى بغنائه في ذلك الثغر‏.‏وعقد لحجبون الزنداحي على قيادة الأساطيل بالمغرب فورثها عنه بنوه إلى أن زاحمهم العزفي بمناكب رياسته فقوضوا عن سبتة فمنهم من نزل بمالقة على بني الأحمر ومنهم من نزل ببجاية على آل أبي حفص‏.‏ولهم في الدولتين آثار تشهد برياستهم‏.‏واستقل الفقيه أبو القاسم العزفي برياسة سبتة وأورثها بنيه من بعده على ما نذكره بعد‏.‏وكانت طنجة تالية سبتة في سائر الأحوال وتبعاً لها فاتبع ابن الأمين صاحبها أمارة الفقيه أبي القاسم‏.‏ثم انتقض عليه لسنته واستبد وخطب لابن أبي حفص ثم للعباسي ثم لنفسه‏.‏وسلك فيها مسلك العزفي في سبتة‏.‏ولبثوا كذلك ما شاء الله حتى إذا ملك بنو مرين المغرب وانبثوا في شعابه ومدوا اليد إلى ممالكه فتناولوها ونازلوا معاقله وحصونه فاقتحموها‏.‏وهلك الأمير أبو يحيى بن عبد الحق وابنه عمر من بعده‏.‏وتحيز بنوه في ذويهم وأتباعهم وحشمهم إلى ناحية طنجة وأصيلا فأوطنوا ضاحيتها وأفسدوا سابلتها وضيقوا على ساكنها واكتسحوا ما حواليها‏.‏وشارطهم ابن الأمين على خراج معلوم على أن يكفوا الأذية ويحموا الحوزة ويصلحوا السابلة‏.‏فاتصلت يده بأيديهم وترددوا إلى البلد لاقتضاء حاجاتهم‏.‏ثم مكروا وأضمروا الغدر‏.‏ودخلوا في بعض أيامهم متأبطين السلاح وفتكوا بابن الأمين غيلة فثارت به العامة لحينهم‏.‏واستلحموا لمصرع واحد سنة وستين‏.‏واجتمعوا إلى ولده وبقيت في ملكتهم خمسة أشهر‏.‏ثم استولى عليها العزفي فنهض إليها بعساكره من الرجل براً وبحراً واستولى عليها‏.‏العزفي فضبطها وقام بأمرها وولى عليها من قبله‏.‏وأشرك الملأ من إشرافه في الشورى‏.‏ونازلها الأمير أبو مالك سنة ست وستين فامتنعت عليه‏.‏وأقامت على ذلك ستاً حتى إذا انتظم السلطان أبو يوسف بلاد المغرب في هلكته واستولى على حضرة مراكش ومحا دولة بني عبد المؤمن وفرغ من أمر عدوه يغمراسن وهم بتلك الناحية واستضافة عملها فأجمع الحركة إليها ونازل طنجة مفتتح اثنتين وسبعين بما كانت في البسيط من دون سبتة وأقام عليها أياماً‏.‏ثم اعتزم على الإفراج فقذف الله في قلوبهم الرعب وافترق بينهم‏.‏وتنادى بعض الناشبة من السور بشعاب بني مرين فبادر سرعان الناس إلى تسور حيطانها فملكوه عليهم وقاتلوا أهل البلد ظلام ليلتهم‏.‏ثم دخلوا البلد من صبيحتها عنوة ونادى منادي السلطان في الناس بالأمان والعفو عن أهل البلد فسكن ومهد وفرغ من شأن طنجة‏.‏ثم بعث ولده الأمير أبا يعقوب في عساكر ضخمة لمنازلة العزفي بسبتة وإرغامه على الطاعة فنازلها أياماً ثم لاذ بالطاعة على المنعة‏.‏واشترط على نفسه خراجاً يؤديه كل سنة فتقبل السلطان منه‏.‏وأفرجت عساكره عنهم وقفل إلى حضرته وصرف نظره إلى فتح سجلماسة وإزعاج بني عبد الواد المتغلبين عليها كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبرعن فتح سجلماسة الثاني ودخولها عنوة على بني عبد الواد

والمنبات من عرب للمعقل قد ذكرنا ما كان من تغلب الأمير أبي يحيى بن عبد الحق على مدينة سجلماسة وبلاد درعة وأنه عقد عليها وعلى سائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن وأنزل معه ابنه مفتاحاً المكنى بأبي حديد في مشيخة لحياطتها‏.‏وأن المرتضى سرح وزيره ابن عطوش سنة أربع وخمسين في العساكر لاسترجاعها فنهض إليه الأمير أبو يحيى وشرده عنها ورجعه على عقبه‏.‏وأن يغمراسن بن زيان من بعد واقعة أبي سليط سنة خمس وخمسين قصدها لعورة دل عليها وغرة أمل أصابتها‏.‏فسابقه إليها أبو يحيى ومانعه من دونها ورجع عنها خائب المسعى مفلول الحامية‏.‏وكان الأمير أبو يحيى من بعد ما عقد عليها ليوسف بن يزكاسن عقد عليها من بعده لسنة ونصفها من ولايته ليحيى بن أبي منديل كبير بني عسكر أقتالهم ومقاسميهم نسب محمد بن ورصيص ثم عقد عليها لشهرين لمحمد بن عمران بن عبلة من بني يرنيان صنائع دولتهم‏.‏واستعمل معه على الجباية أبا طالب بن الحبسي وجعل مصلحة الجند بها إلى نظر أبي يحيى القطراني وملكه قيادتهم‏.‏وأقاموا على ذلك سنتين اثنتين‏.‏ولما هلك الأمير أبو يحيى وشغل السلطان أبو يوسف بحرب يغمراسن ومنازلة مراكش سما للقطراني أمل في الاستبداد بها ودخل في ذلك بعض أهل الفتن وظاهره يوسف بن فرج العزفي وفتكوا بعمار الورندغزاني شيخ الجماعة بالبلد‏.‏وائتمروا بمحمد بن عمران بن عبلة فخرج ولحق بالسلطان فاستبد القطراني بها‏.‏ثم ثار به أهل البلد سنة ثمان وخمسين لسنة ونصفها من لدن استبداده وقتلوه‏.‏وصرفوا بيعتهم إلى الخليفة المرتضى بمراكش‏.‏وتولى كبر ذلك القاضي ابن حجاج وعلي بن عمر فعقد له المرتضى عليهم‏.‏وأقام بها أميراً‏.‏ونازلته عساكر بني مرين والسلطان أبو يوسف سنة ستين‏.‏ونصب عليها آلات الحصار فأحرقوها وامتنعوا فأفرج عنهم‏.‏وأقام علي بن عمر في سلطانه ذلك ثلاث سنين ثم هلك‏.‏وكان الأمير يغمراسن بن زيان منذ غلب الموحدين على تلمسان والمغرب الأوسط وصار في ملكته تحيز إليه من عرب المعقل قبيل المنبات من ذوي منصور بما كانت مجالات المعقل مجاورة لمجالات بني بادين في القفر‏.‏وإنما ارتحلوا عنها من بعد ما جأجأ يغمراسن ببني عامر من مجالاتهم بمصاب ببلاد بني يزيد فزاحموا المعقل بالمناكب عن مجالاتهم ببلاد فيكيك وصا‏.‏ورحلوهم إلى ملوية وما وراءها من بلاد سجلماسة فملكوا تلك المجالات‏.‏ونبذ يغمراسن العهد إلى ذوي عبيد الله منهم‏.‏واستخلص المنبات هؤلاء فكانوا له حلفاً وشيعة ولقومه ودعوته خالصة‏.‏وكانت سجلماسة في مجالاتهم ومنقلب ظعنهم وناجعتهم ولهم فيها طاعة معروفة‏.‏فلما هلك علي بن عمر آثروا يغمراسن بملكها فحملوا أهل البلد على القيام بدعوته‏.‏وخاطبوه وجأجأوا به فغشيهم بعساكره وملكهما وضبطها‏.‏وعقد عليها لعبد الملك بن محمد بن علي بن قاسم بن درع من ولد محمد بن زكدان بن تيدوكسن ويعرف بابن حنينة نسبة إلى أم أبيه أخت يغمراسن بن حمامة‏.‏وأنزل معهما ولده الأمير يحيى لإقامة الرسم الملوكي‏.‏ثم أداله بأخيه من السنة الأخرى وكذا كان شأنه في كل سنة‏.‏ولما فتح السلطان أبو يوسف بلاد المغرب وانتظم أمصاره ومعاقله في طاعته وغلب بني عبد المؤمن على دار خلافتهم ومحا رسمهم وافتتح طنجة وطوع سبتة مرقى الجواز إلى العدوة وثغر المغرب سما أمله إلى بلاد القبلة فوجه عزمه إلى انتزاع سجلماسة من أيدي بني عبد الواد المتغلبين عليها وإدالة دعوته فيها من دعوتهم فنهض إليها في العساكر والحشود في رجب من سنة اثنتين وسبعين‏.‏فنازلها وقد حشد إليها أهل المغرب أجمع من زناتة والعرب والبربر وكافة الجنود والعساكر ونصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات وهندام النفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من خزانه أمام النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترد الأفعال إلى قدرة باريها‏.‏فأقام عليها حولاً كريتاً يغاديها القتال ويراوحها إلى أن سقطت ذات يوم على حين غفلة طائفة من سورها بإلحاح الحجارة من المنجنيق عليه‏.‏فبادروا إلى اقتحام البلد فدخلوها عنوة من تلك الفرجة في صفر من سنة ثلاث وسبعين‏.‏فقتلوا المقاتلة والحامية وسبوا الرعية وقتل القائدان عبد الملك بن حنينة ويغمراسن بن حمامة ومن كان معهم من بني عبد الواد وأمراء المنبات‏.‏وكمل فتح بلاد المغرب للسلطان أبي يوسف وتمشت طاعته في أقطاره‏.‏فلم يبق فيه معقل يدين بغير دعوته ولا جماعة تتحيز إلى غير فيئته ولا أمل ينصرف إلى سواه ولما كملت له نعم الله في استيساق ملكه وتمهيد أمره انصرف أمله إلى الغزو وإيثار طاعة الله بجهاد أعدائه واستنقاذ المستضعفين وراء البحر من عباده على ما نذكر‏.‏ولما انكفأ راجعاً من سجلماسة قصد مراكش من حيث جاء‏.‏ثم قفل إلى سلا فأراح بها أياماً ونظر في شؤونها وسد ثغرها‏.‏وبلغه الخبر بوفادة أبي طالب ابن صاحب سبتة الفقيه أبي القاسم العزفي على فاس فأغذ السير إلى حضرته وأكرم وفادته وأحسن منقلبه إلى أبيه مملوء الحقائب ببره رطب اللسان بشكره‏.‏ثم شرع في إجازة ولده إلى العدو كما نذكر الآن إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن شأن الجهاد وظهور السلطان أبي يوسف على النصارى

وقتل زعيمهم دننه وما قارن ذلك كانت عدوة الأندلس مذ أول الفتح ثغراً للمسلمين فيه جهادهم ورباطهم ومدارج شهادتهم وسبيل سعادتهم‏.‏وكانت مواطنهم فيه على مثل الرضف وبين الظفر والناب من أسود الكفر لتوفر أمتهم في جوارها وأحاطتهم بها من جميع جهاتها وحجز البحر بينهم وبين إخوانهم المسلمين‏.‏وقد كان عمر بن عبد العزيز رأى أن يخرج المسلمين منها لانقطاعهم عن قومهم وأهل دينهم وبعدهم عن الصريخ‏.‏وشاور في ذلك كبار التابعين وأشراف العرب فرأوه رأياً‏.‏واعتزم عليها لولا ما اعتاقه من المنية‏.‏وعلى ذلك فكان للإسلام فيها اعتزاز على من جاورهم من أهل الكفر بطول دولة العرب من قريش ومضر واليمن‏.‏وكانت نهاية عزهم وسورة غلبهم أيام بني أمية بها الطائرة الذكر الباسطة جناحها على العدوتين منذ ثلاث مئين من السنين أو ما يقاربها‏.‏حتى انتثر سلكها بعد الماية الرابعة من الفجرة وافترقت الجماعة طوائف وفشلت ريح المسلمين وراء البحر بفناء دولة العرب‏.‏واعتز البربر بالمغرب واستفحل شأنهم‏.‏وجاء دولة المرابطين فجمعت ما كان مفترقاً بالمغرب من كلمة الإسلام‏.‏وتمسكوا بالسنة وتشوفوا إلى الجهاد‏.‏واستدعاهم إخوانهم من وراء البحر للمدافعة عنهم فأجازوا إليهم وأبلوا في جهاد العدو أحسن بلاء‏.‏وأوقعوا بالطاغية ابن أذفونش يوم الزلاقة وغيرها‏.‏وفتحوا حصوناً واسترجعوا أخرى‏.‏واستنزلوا الثوار ملوك الطوائف وجمعوا الكلمة بالعدوتين‏.‏وجاء على أثرهم الموحدون سالكين أحسن مذاهبهم فكانت لهم في الجهاد آثار على الطاغية وأيام منها يوم الأرك ليعقوب المنصور وغيره من الأيام‏.‏حتى إذا فشلت ريح الموحدين وافترقت كلمتهم‏.‏وتنازع الأمر سادة بني عبد المؤمن الأمراء بالأندلس وتحاربوا على الخلافة‏.‏واستجاشوا بالطاغية وأمكنوه من كثير من حصون المسلمين طعمة على الاستظهاه فخشي أهل الأندلس على أنفسهم وثاروا بالموحدين وأخرجوهم‏.‏وتولى كبر ذلك ابن هود بمراسية وشرق الأندلس‏.‏وعم بدعوته سائر أقطارها وأقام فيها الدعوة للعباسيين وخاطبهم ببغداد كما ذكرناه في أخباره واستوفينا كلاً مما وصفناه في مكانه‏.‏ثم عجز ابن هود عن الغربية لبعدها عنه وفقده للعصابة المتناولة لها وأنه لم تكن صنعته في الملك مستحكمة‏.‏وتكالب الطاغية على الأندلس من كل جهة‏.‏وكثر اختلاف المسلمين بينهم‏.‏وشغل بنو عبد المؤمن بما دهم المغرب من شأن بني مرين وزناتة فتلافى محمد بن يوسف بن الأحمر أمر الغربية وثار بحصنه أرجونة‏.‏وكان شجاعاً قدماً ثبتاً في الحروب فتلقف الكرة من يد ابن هود‏.‏خلع الدعوة العباسية ودعا للأمير أبي زكرياء بن أبي حفص سنة تسع وعشرين‏.‏فلم يزل في فتنة ابن هود يجاذبه الحبل ويقارعه على عمالات الأندلس واحدة بعد أخرى إلى أن وتكالب العدو خلال ذلك على جزيرة الأندلس من كل جانب‏.‏ووفر له ابن هود في الجزية وبلغ بها أربعماية ألف من الدنانير في كل سنة‏.‏ونزل له عن ثلاثين من حصون المسلمين‏.‏وخشي ابن الأحمر أن يستغلظ عليه بالطاغية فجنح هو إليه وتمسك بعروته ونفر في جملته إلى منازلة إشبيلية نكاية لأهلها‏.‏ولما هلك الأمير أبو زكرياء نبذت دعوة الحفصية واستبد لنفسه وتسمى بأمير المسلمين‏.‏ونازعه بالشرق أعقاب ابن هود وبنو مردنيش‏.‏ودعاه الأمر إلى النزول للطاغية عن بلاد الفرنتيرة فنزل عنها بأسرها‏.‏وكانت هذه المدة من سنة اثنتين وعشرين إلى سنة سبعين فترة ضاعت فيها ثغور المسلمين واستبيح حماهم والتهم العدو بلادهم وأموالهم نهباً في الحرب ووضيعة ومداراة في السلم‏.‏واستولى طواغيت الكفر على أمصارها وقواعدها فملك ابن أذفونش قرطبة سنة ست وثلاثين وجيان سنة أربع وأربعين وإشبيلية سنة ست وأربعين‏.‏وتملك قمص برشلونة مدينة بلنسية سنة سبع وثلاثين إلى ما بينها من الحصون والقواعد والمعاقل التي لا تعد ولا تحصى‏.‏وانقرض أمر الثوار بالشرق وتفرد ابن الأحمر بغرب الأندلس وضاق نطاقه عن الممانعة دون البسائط الفيح من أرض الفرنتيرة وما قاربها‏.‏ورأى أن التمسك بها مع قلة العدد وضعف الشوكة مما يوهن أمره ويطمع فيه عدوه فعقد السلم للطاغية على النزول عنها أجمع‏.‏ولجأ بالمسلمين إلى سيف البحر معتصمين بأوعاره من عدوهم‏.‏واختار لنزله مدينة غرناطة‏.‏وابتنى بها لسكناه حصن الحمراء حسبما شرحنا ذلك كله في مواضعه‏.‏وفي أثناء هذا كله لم يزل صريخه ينادي بالمسلمين من وراء البحر والملأ من أهل الأندلس يفدون على أمير المسلمين أبي يوسف للإعانة ونصر الملة واستنقاذ الحرم والولدان من أنياب العدو‏.‏فلا يجد مفزعاً إلى ذلك بما كان فيه من مجاذبة الحبل مع الموحدين ثم مع يغمراسن‏.‏ثم تشغله بفتح بلاد المغرب وتدويخ أقطاره إلى أن هلك السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الأحمر المعروف بالشيخ وبأبي دبوس لقبين كانا له على حين استكمل أمير المسلمين فتح المغرب وفراغه من شأن عدوه سنة إحدى وسبعين‏.‏على أن بني مرين كانوا يؤثرون الجهاد ويسمون إليه وفي نفوسهم جنوح إليه وصاغية‏.‏ولما استوحش بنو إدريس بن عبد الحق وخرجوا سنة إحدى وستين على السلطان يعقوب بن عبد الحق واستصلحهم انتدب الكثير منهم للغزو وإجازة البحر لصريخ المسلمين بالأندلس‏.‏واجتمع إليهم من مطوعة بني مرين عسكر ضخم من الغزاة ثلاثة آلاف أو يزيدون‏.‏وعقد السلطان على ذلك العسكر لعامر بن إدريس وفصلوا إلى الأندلس فكان لهم فيها ذكر ونكاية في العدو‏.‏وكان الشيخ ابن الأحمر عهد إلى ولده القائم بإلأمر من بعده محمد الشهير بالفقيه لانتحاله طلب العلم أيام أبيه‏.‏وأوصاه بأن يتمسك بعروة أمير المسلمين ويخطب نصره ويدرأ به وبقومه عن نفسه وعن المسلمين تكالب الطاغية‏.‏فبادر لذلك حين مواراة أبيه وأوفد مشيخة الأندلس كافة عليه ولقيه وفدهم منصرفاً من فتح سجلماسة خاتم الفتوح بالثغور المغربية ومقاد الملك‏.‏وتنادوا للإسلام بالثأر وألقوا إليه كنه

  الخبر عن كلب العدو على المسلمين

وثقل وطأته فحيا وفادتهم وبر وساهم‏.‏ وبادر لإجابة داعي الله واستنام الجنة‏.‏وكان أمير المسلمين منذ أول أمره مؤثراً عمل الجهاد كلفاً به مختاراً له متى أعطي الخيار من سائر آماله‏.‏حتى لقد كان اعتزم على الغزو إلى الأندلس أيام أخيه الأمير أبي يحيى وطلب إذنه في ذلك عندما ملكوا مكناسة سنة ثلاث وأربعين فلم يأذن له‏.‏وفصل إلى الغزو في حشمه وذويه ومن أطاعه من عشيره‏.‏وأوعز الأمير أبو يحيى لصاحب الأمر بسبتة لذلك العهد أبي علي بن خلاص بأن يمنعه الإجازة ويقطع عنه أسبابها‏.‏ولما انتهى إلى قصر الجواز ثنى عزمه عن ذلك الولي يعقوب بن هارون الخيري ووعده بالجهاد أميراً مستنصراً للمسلمين ظاهراً على العدو فكان في نفسه من ذلك شغل وإليه صاغية‏.‏فلما قدم عليه هذا الوفد نبهوا عزائمه وذكوا همته فأعمل في الاحتشاد وبعث في النفير‏.‏ونهض من فاس في شهر شوال من سنة ثلاث وسبعين إلى فرضة المجاز من طنجة‏.‏وجهز خمسة آلاف من قومه أزاح عللهم واستوفى عطاءهم وعقد عليهم لابنه منديل وأعطاه الراية‏.‏واستدعى من العزفي صاحب سبته السفن لإجازتهم فوافاه بقصو الجواز عشرون من الأساطيل فأجاز العسكر ونزل بطريف‏.‏وأراح ثلاثاً ودخل دار الحرب وتوغل فيها وأجلب على ثغورها وبسائطها‏.‏وامتلأت أيديهم من الغنائم وأثخنوا بالقتل والأسر وتخريب العمران ونسف الآثار‏.‏حتى نزل بساحة شريش فخام حاميتها عن اللقاء وانحجزوا في البلد فقفل عن إلى الجزيرة وقد امتلأت أيديهم من الأموال وحقائبهم من السبي وركابهم من الكراع والسلاح‏.‏ورأى أهل الأندلس أن قد ثاروا بعام العقاب حتى جاءت بعدها الطامة الكبرى على أهل الكفر‏.‏واتصل الخبر بأمير المسلمين فاعتزم على الغزو بنفسه وخشي على ثغور بلاده من عادية يغمراسن في الفتنة فبعث حافده تاشفين بن عبد الواحد في وفد من بني مرين لعقد السلم مع يغمراسن والرجوع إلى الاتفاق والموادعة‏.‏ووضع أوزار الحرب بين المسلمين للقيام بوظيفة الجهاد فأكبر موصله وموصل قومه‏.‏وبادر إلى الإجابة والألفة وأوفد مشيخة بني عبد الواد على السلطان لعقد السلم‏.‏وبعث معهم الرسل وأسنى الهدية‏.‏وجمع الله كلمة المسلمين‏.‏وعظم موقع هذا السلم من أمير المسلمين لما كان في نفسه من الصاغية إلى الجهاد وإيثاره مبرورات الأعمال‏.‏وبث الصدقات بشكر الله على ما منحه من التفرع لذلك‏.‏ثم استنفر الكافة واحتشد القبائل والجموع ودعا المسلمين إلى الجهاد‏.‏وخاطب في ذلك كافة أهل المغرب من زناتة والعرب والموحدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأوربة ومكناسة وجميع قبائل البرابر وأهل المغرب من المرتزقة والمطوعة‏.‏وأهاب بهم وشرع في إجازة البحر فأجازه من فرضة طنجة لصفر من سنة أربع وسبعين‏.‏واحتل بساحل طريف‏.‏وكان لما استصرخه السلطان ابن الأحمر وأوفد عليه مشائخ الأندلس اشترط عليه النزول عن بعض الثغور بساحل الفرضة لاحتلال عساكره فتجافى له عن رندة وطريف‏.‏ولما احتل بطنجة بادر إليه ابن هشام الثائر بالجزيرة الخضراء أجاز البحر إليه‏.‏ولقيه بظاهر طنجة فأدى له طاعته وأمكنه من قياد بلده وكان الرئيس أبو محمد بن أشقيلولة وأخوه أبو إسحاق صهر السلطان بن الأحمر تبعاً له في أمره ومؤازراً على شأنه كله‏.‏وأبوهما أبو الحسن هو الذي تولى له كبر النورة على ابن هود ومداخلة أهل إشبيلية في الفتك بابن الباجي‏.‏فلما استوت قدمه في ملكه وغلب الثوار بالأندلس واستوى على أمره فسد ما بينهما بعد أن كان ولى أبا محمد على مالقة وأبا إسحاق على وادي آش فامتنع أبو محمد بن أشقيلولة بمالقة واستأثر بها وبغربيتها دونه‏.‏ومع ذلك كانوا على الطاغية فيئة ولحمة‏.‏ولما أحس أبو محمد بن أشقيلولة بإجازة السلطان يعقوب بن عبد الحق قدم إليه الوفد من أهل مالقة ببيعتهم وصريخهم وانحاش إلى جانب السلطان وولايته وأمحضه المخالصة والنصيحة‏.‏فلما احتل السلطان بساحة طريف ملأت كتائبه ساحة الأرض ما بينها وبين الجزيرة وتسابق السلطان ابن الأحمر وهو محمد الفقيه بن محمد الشيخ أبي دبوس صاحب غرناطة والرئيس أبو محمد أشقيلولة صاحب مالقة والغربية وأخوه أبو إسحاق صاحب وادي آش إلى لقاء السلطان‏.‏وتناغوا في برور مقدمه والإذعان له ففاوضهما في أمور الجهاد ورجعهما لحينه إلى بلادهما‏.‏وانصرف ابن الأحمر مغضباً ببعض النزعات أحفظته‏.‏وأغذ السلطان السير إلى الفرنتيرة وعقد لولده الأمير أبى يعقوب على خمسة آلاف من عسكره‏.‏وسرح كتائبه في البسائط‏.‏وخلال المعاقل ينسف الزرع وتحطم الغروس ويخرب العمران وتنتهب الأموال وتكتسح السرح وتقاتل المقاتلة وتسبى النساء والذرية‏.‏حتى انتهى إلى المدور وبايسة وأبدة واقتحم حصن بلمة عنوة‏.‏وأتى على سائر الحصون في طريقه فطمس معالمها واكتسح أموالها‏.‏وقفل والأرض تموج سبياً إلى أن عرس بأستجة من تخوم دار الحرب‏.‏وجاءه النذير باتباع العدو آثارهم لاستنقاذ أسراهم وارتجاع أموالهم‏.‏وإن زعيم الروم وعظيمهم دننه خرج في طلبهم بأمم بلاد النصرانية من المحتلم فما فوقه‏.‏فقدم السلطان الغنائم بين يديه وسرح ألفاً من الفرسان أمامها سار يقفيها‏.‏حتى إذا أطلت رايات العدو من ورائهم كان الزحف فرتب المصاف وحرض وذكر‏.‏وراجعت زناتة بصائرها وعزائمها وتحركت هممها وأبلت في طاعة ربها والذب عن دينها‏.‏وجاءت بما يعرف من بأسها وبلائها فى مقاماتها ومواقعها‏.‏ولم يك إلا كلا ولا حتى هبت ريح النصر وظهر أمر الله وانكشف جموع النصرانية وقتل الزعيم دننه والكثير من جموع أهل الكفر‏.‏ومنح الله المسلمين أكتافهم واحتل القتل فيهم‏.‏وأحصي القتلى في المعركة فكانوا ستة آلاف‏.‏واستشهد من المسلمين ما يناهز ثلاثين أكرمهم الله بالشهادة وآثرهم بما عنده‏.‏ونصر الله حزبه وأعز أولياءه وأظهر دينه وبدا للعدو ما لم يحتسبه بمحاماة هذه العصابة عن الملة وقيامهم بنصر الكلمة‏.‏وبعث أمير المسلمين برأس الزعيم دننه إلى ابن الأحمرة فرده زعموا سراً إلى قومه بعد أن طيبه وأكرمه ولاية أخلصها لهم مداراة وانحرافاً عن أمير المسلمين ظهرت شواهده عليه بعد حين كما نذكره‏.‏وقفل أمير المسلمين من غزاته إلى الجزيرة منتصف ربيع من سنته فقسم في المجاهدين الغنائم وما نفله الله من أموال عدوهم وسباياهم وأسراهم وكراعهم بعد الاستيثار بالخمس لبيت المال على موجب الكتاب والسنة ليصرفه في مصارفه‏.‏ويقال كان مبلغ الغنائم في هذه الغزاة من البقر ماية ألف وأربعة وعشرين ألفاً ومن الأسرى سبعة آلاف وثمانماية وثلانين ومن الكراع أربعة عشر ألفاً وستماية‏.‏وأما الغنم فاتسعت عن الحصر كثرة حتى لقد زعموا بيعت الشاة في الجزيرة بدرهم واحد‏.‏وكذلك السلاح‏.‏وأقام أمير المسلمين بالجزيرة أياماً‏.‏ثم خرج لجمادى غازياً إلى إشبيلية فجاس خلالها وتقرى نواحيها وأقطارها‏.‏وأثخن بالقتل والنهب في جهاتها وعمرانها‏.‏وارتحل إلى شريش فأذاقها وبال العيث والاكتساح‏.‏ورجع إلى الجزيرة لشهرين من غزاته‏.‏ونظر في اختطاط مدينة بفرضة المجاز من العدوة لنزل عسكره منتبذاً عن الرعية لما يلحقهم من ضرر العساكر وجفائهم‏.‏وتخير لها مكاناً لصق الجزيرة فأوعز ببناء المدينة جوارها المشهورة بالبنية‏.‏وجعل ذلك إلى نظر من وثق به من دونه‏.‏ثم أجاز البحر إلى المغرب في رجب سنة أربع وسبعين فكان مغيبه وراء البحر ستة أشهر‏.‏واحتل بقصر مصمودة وأمر ببناء السور على بادس مرفأ الجواز ببلاد غمارة‏.‏وتولى ذلك إبراهيم بن عيسى كبير بني وسناف بن محيو‏.‏ثم رحل إلى فاس فدخلها في شعبان‏.‏وصرف النظر إلى أحوال دولته واختطاط البلد الجديد لنزله ونزل حاشيته واستنزال الثوار عليه بالمغرب على ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏